الشيخ محمد رشيد رضا

182

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

امريء يقول ما شاء ، فإضافة الشهداء إليهم ووصفهم بما وصفهم يقتضي أن المطلوب منهم احضاره هو جماعة من أهل العلم الذين تتلقي عنهم الأمم الأحكام الدينية وغيرها بالأدلة الصحيحة التي تجعل النظريات كالمشهودات بالحس أو كالرسل الذين يتلقون الدين من الوحي الإلهي وهو أقوى العلوم الضرورية عندهم ، كأنه يقول إذا لم تكونوا أنتم على علم تقيمون الحجة على صحته وكان عندكم شهداء تلقيتم عنهم ذلك وهم يقدرون على ما لا تقدرون عليه من الشهادة فاحضروهم لنا ، ليدلوا بما عندهم من الحجة التي قلدتموهم لأجلها ، ثم قال له فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ أي فان فرض احضار شهداء شهدوا فلا تشهد معهم أي فلا تقبل شهادتهم ولا تسلمها لهم بالسكوت عليها فان السكوت عن الباطل في مثل هذا المقام كالشهادة به بل بين لهم بطلان زعمهم الذي سموه شهادة - فأمثال هذه الفروض تذكر لأجل التذكير بما يجب أن يترتب عليها ان وجدت كما يزعم أصحاب الأهواء فيها ولذلك قال وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي ولا تتبع أهواء هؤلاء الناس الذين كذبوا بآياتنا المنزلة وما أرشدت اليه من آياتنا في الأنفس والآفاق فوضع الظاهر موضع الضمير إذ لم يقل ولا تتبع أهواءهم ، لبيان أن المكذب بهذه الآيات والحجج الظاهرة اصرارا على تقاليده الباطلة ، انما يكون صاحب هوى وظن لا صاحب علم وحجة وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أي والذين هم على جهلهم واتباع أهوائهم لا يؤمنون بالآخرة فيحملهم الايمان على سماع الحجة إذا ذكروا بها ، وهم مع ذلك يشركون بربهم فيتخذون له مثلا وعدلا يعادله ويشاركه في جلب الخير والنفع ودفع الضر ان لم يكن باستقلاله وقدرته ، فبحمله للرب على ذلك والتأثير في علمه وإرادته ومن مباحث اللفظ ان هلم اسم بمعنى فعل الأمر يستوي فيه عند أهل الحجاز وعالية نجد المذكر والمؤنث والمثنى والجمع ويقول البصريون ان أصله ها التي للتنبيه ولم التي بمعنى القصد وفعله يذكر ويؤنث ويثنى ويجمع في لغة بني تميم فيقال هلمي وهلما وهلموا * * * ( 151 ) قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ : أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ